ابن قيم الجوزية
82
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها ، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها . وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف ، لجهلهم بالنصوص ومعانيها ، وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم . وإذا تأملت حال العامة - الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم - رأيتهم أتم بصيرة منهم ، وأقوى إيمانا ، وأعظم تسليما للوحي ، وانقيادا للحق . المرتبة الثانية من البصيرة : البصيرة في الأمر والنهي . وهي تجريده عن المعارضة بتأويل ، أو تقليد ، أو هوى . فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر اللّه ونهيه ، ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله ، والأخذ به ، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص . وقد علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيرهم . المرتبة الثالثة : البصيرة في الوعد والوعيد : وهي أن تشهد قيام اللّه على كل نفس بما كسبت في الخير والشر ، عاجلا وآجلا ، في دار العمل ودار الجزاء ، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته ، وعدله وحكمته . فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته . بل شك في وجوده . فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك . ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة ، وإرسالها هملا ، وتركها سدى . تعالى اللّه عن هذا الحسبان علوّا كبيرا . فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية . ولهذا كان الصحيح : أن المعاد معلوم بالعقل . وإنما اهتدي إلى تفاصيله بالوحي . ولهذا يجعل اللّه سبحانه إنكار المعاد كفرا به سبحانه . لأنه إنكار لقدرته ولإلهيته . وكلاهما مستلزم للكفر به . قال تعالى : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) [ الرّعد : 5 ] . وفي الآية قولان : أحدهما : إن تعجب من قولهم « أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » فعجب قولهم ! كيف ينكرون هذا . وقد خلقوا من تراب ، ولم يكونوا شيئا . والثاني : إن تعجب من شركهم مع اللّه غيره ، وعدم انقيادهم لتوحيده وعبادته وحده لا شريك له . فإنكارهم للبعث ، وقولهم « أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » أعجب . وعلى التقديرين : فإنكار المعاد عجب من الإنسان . وهو محض إنكار الرب والكفر به ، والجحد لإلهيته . وقدرته . وحكمته وعدله وسلطانه . ولصاحب المنازل في « البصيرة » طريقة أخرى قال : « البصيرة ما يخلصك من الحيرة . وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : أن تعلم أن الخبر القائم بتمهيد الشريعة يصدر عن عين لا يخاف عواقبها ، فترى من حقه أن تؤديه يقينا ، وتغضب له غيرة » . ومعنى كلامه : أن ما أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم صادر عن حقيقة صادقة ، لا يخاف متبعها فيما